علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

13

الصداقة والصديق

الطبقات الدنيا يتنقل معهم من بلد إلى بلد ، مستجديا ، واقفا على الأبواب يلبس لبوسهم ، فهو تارة « صوفي السمت والهيئة » وتارة « غرّ لا هيئة له في لقاء الكبراء » ، يختلط بالمكدين من طائفة الساسانيين المتسولين ، أو « الصوفية الغرباء والمجتدين الأدنياء الأردياء » ، وهذه كلها ظروف إذا توفرت لأديب موهوب أصيل أكسبته تجارب قيمة ، واطّلاعا على النفس البشرية نرى ظلالها منعكسة في آثاره ، فهي صدىّ أمين لأحداث عصره وتياراته الفكرية والأدبية والاجتماعية . توفي التوحيدي سنة 414 ه في مدينة شيراز ودفن فيها . 3 - الصّداقة والصّديق : موضوع الصّداقة قديم قدم الإنسانية ، فيه تتجاوب عواطف النفس البشرية ، وعلى صفحاته تنعكس نفسيتها وروحها ، أولع به الأدباء والشعراء والفلاسفة والعلماء ، فأمعنوا في استكناه حقيقة هذه الرّابطة العجيبة وتعريفها وتحديدها وتحليل روابطها ودوافعها ونشوئها ودوامها وفسادها ، وإن التوحيدي الذي آلمته الحياة ، وخدشته بأظفارها ، وجرعته كأس المرارة والحرمان واليأس فعاش على خلاف مع أهل زمانه يلقى عنتا وأذى حتى أجبر على العزلة والاختفاء سنين طويلة أقول : إن التوحيدي الإنسان كان مدفوعا بمزاجه ونفسيته وظروف حياته إلى التفتيش عن الصّداقة وإحلالها مكانا أوليا في علاقاته مع الناس ، وإلى العناية بموضوع الصّداقة والصّديق ، بل كان من العجيب ألا يعنى بهذا الموضوع الوجداني ، وألّا يفرد له من وقته ، وأدبه ، وجهده ، واجدا في ذلك تنفيسا عن الضيق والكرب عنه ، لأن حديث الصديق على حد تعبيره « حلو ، ووصف الصاحب المساعد مطرب » ، زد على ذلك أن أبا حيّان رجل عاطفي